السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

44

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

إلى موسى ألم ترض أن أدخل القاتل والمقتول الجنة ، ومن بقي مكفرا عنه ؟ قال بلى يا رب ، فأخبر قومه وأمر بدفن الموتى ، وقال للباقين « فتاب عليكم » ربكم بامتثالكم أمره « إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 54 » بالعفو عن الباقين وإدخال القاتل والمقتول الجنة . قال تعالى « وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً » علانية مثل ما نراك وترانا ، وذلك أن اللّه تعالى أمر موسى أن يأتي بأناس من بني إسرائيل يعتذرون عن عبادة العجل من الذين لم يعبدوه ولم ينهوا العابدين له عن عبادته . فاختار سبعين رجلا من خيارهم وأمرهم بالصوم والطهارة ، وخرج معهم إلى طور سيناء ، وهذا الميقات الثاني ، فلما وصلوا قالوا لموسى أسمعنا كلام اللّه ، فقال لهم ادنوا مني ، فدخل الغمام ، ودخلوا وراءه فسجدوا وسمعوه يكلم ربه وسمعوا كلام اللّه جل شأنه يقول له أنا اللّه ذو بكة لا إله إلّا أنا ، أخرجتكم من مصر بيد شديدة ، فاعبدوني لا تعبدوا غيري ، ثم قالوا يا موسى أما وقد أسمعتنا صوته فأرناه عيانا ، فإنا لا نؤمن لك حتى نشاهده عيانا « فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ » حال مقالتكم هذه لجرأتكم على ربكم بطلب رؤيته ، والصاعقة صوت صيحة عظيمة هائلة راجع الآية 19 المارة « وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ 55 » كيف متّم بسببها . ولا دلالة في هذه الآية على عدم استحالة جواز الرؤية في الآخرة ، لأن بني إسرائيل عوقبوا بسؤالها وكان عقابهم بعدم إيمانهم بقول رسولهم بعد ظهور معجزته ، ولأن سؤالهم كان تعنتا وعنادا ، فلما رأى موسى ما حلّ بهم صار يبكي ويتضرع إلى اللّه ويقول يا رب ما ذا أقول لبني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم ، فلو شئت أهلكتهم وإياي قبل أن نأتيك ، أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا ؟ ولم يزل يتضرع حتى أحياهم اللّه تعالى كما أماتهم وهم ينظرون بعضهم إلى بعض كيف يحيون ، كما نظر بعضهم إلى بعض كيف يموتون ، وذلك قوله تعالى « ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 56 » نعمة الإحياء بعد الموت زيادة على النعم الأولى . وتقدم بحث هذا الميقات الثاني في الآية 155 من سورة الأعراف ج 1 بأوضح من هذا ، فراجعه .